وقفة عند أسرار الولایة 3
وقفة عند أسرار الولایة
فوائد دراسة المسائل العبادیة من الناحیة العقلیة
بالإضافة إلى الجانب التعبدی الذی تتصف به جمیع أحکامنا الدینیة، تحتوی هذه الأحکام على الکثیر من الفوائد المشهودة والآثار الملموسة الواضحة، ومن المؤکّد أنّ الالتفات العقلی والتجربی إلى هذا الجانب من الأحکام الدینیة قد یؤدی إلى فوائد عظیمة. طبعا لعلنا لا نستطیع أن ندرک فلسفة بعض الأحکام أو ثمراتها المشهودة، وهذا لا یعنی أنها غیر عقلیة. و أساسا إذا کان إیماننا بأصل الدین مرتکزا على أساس أدلة عقلیة ومنطقیة، یصبح إیماننا بأیّ حکم من أحکام الدین إیمانا موضوعیا ومنطقیا، حتى وإن لم نجد دلیلا عقلیا واضحا على ذلک الحکم. ولکن مع ذلک توجد بعض الأحکام التی لها جوانب عقلیة جلیّة ولدینا أدلة عقلیة واضحة علیها.
إن الترکیز على الأدلة المنطقیة والعقلیة فی الأحکام الشرعیة له دور کبیر فی تقبل من هو غیر ملتزم بالأوامر الإلهیة وغیر واثق بها. فعندما یأتی علماء العلوم الطبیعیة ویذکرون فوائد لبعض المستحبات أو الواجبات، تجد أن أکثر الناس ولا سیما أولئک الذین لم یوجدوا علاقة قلبیة وثیقة مع الأحکام الدینیة تطمئن قلوبهم ویسهل علیهم العمل بالمستحبات وحتى الواجبات.
لمشاهدة الموضوع کاملا أنقر علی
فعلى سبیل المثال عندما یذکر الأطباء بعض فوائد السجود، من قبیل أن هیئة السجود هی أفضل هیئة الجسم لوصول الدم إلى عروق الدماغ، أو أن لها تأثیر إیجابی على حرکة عضلات القلب، بطبیعة الحال یمیل الإنسان إلى هذا العمل ویسهل علیه طول السجود بعد ذلک. لا یخفى أن هذه الفوائد الظاهریة والمادیة إنما هی مبلغ إدراکنا، ولا شکّ فی أن الأحکام الشرعیة لها آثار ونتائج على العالم بأجمعه وقد شرّع الله هذه الأحکام فی سبیل تحقیق تلک الآثار.
ومن جملة فوائد هذه الرؤیة العقلیة هی أن بعض الناس یستنکف عن الالتزام بالدین والأحکام الإلهیة ویعبر عن عدم رغبته بکل صراحة، فبهذه الرؤیة العقلانیة یتسنّى لنا أن نرغبه بتقبل الدین وأحکامه. الإنسان الذی یقول: "لا علاقة لی بالله وبرسوله ولا یهمنی سوى مصلحتی ومنافعی" یمکن أن نتحاور معه بالأسلوب العقلی ونقول له: "جید جدا، إن کنت حریصا على مصالحک حقا، فالحسابات العقلیة تفرض علیک أن تقوم بهذا العمل الواجب أو تنتهی عن ذاک الفعل المحرم."
على سبیل المثال، قد وردت وصایا کثیرة فی تعالیمنا الدینیة على ضرورة قلة الطعام وقد ذکرت له فوائد لا تحصى. ولکن حتى ولو کان أحد غیر مؤمن وغیر ملتزم، مع ذلک هناک الکثیر من الأبحاث العقلیة والمنطقیة القائمة على أساس تجربیات العلوم الطبیعیة، بحیث نستطیع أن نثبت له نتائج هذا السلوک بکل سهولة. نحن لا نفرض على أحد أن لا یقلل من طعامه إلا بمحفز دینی وأمر شرعی، کلا، بل نقول له حتى ولو کنت غیر متدین، ألا یحکم عقلک بحسن هذا العمل؟! فإذا یحکم عقلک بذلک اعمل بمقتضاه.
طبعا إن استطاع أحد أن یقلل من طعامه بدافع دینی ومن أجل إطاعة أمر الله، لا شک فی أن هذا العمل یحظى بجمال و حسن وفضل آخر. ولهذا کانت حیاة العرفاء وأولیاء الله کلها من أجل الله وفی سبیله. ولکن إذا کان أحد غیر مکترث بالله ورسوله، ولم یقلل طعامه إلا بدافع عقلی بحت، لا بأس بذلک. على أی حال إن دراسة المفاهیم العبادیة من الناحیة العقلیة تؤدی إلى نتائج نافعة لجمیع الناس من المؤمنین وغیرهم.
بشکل عام، کلما تعرف الإنسان على الأدلة العقلیة لعمل مّا، یسهل ویخفّ علیه. إن مراعاة قوانین المرور لیس عملا شاقّا على الناس، إذ أنهم أدرکوا ضرورة هذه القوانین من الناحیة العقلیة. أما لو لم یکن دافع ومحفز للوقوف خلف الضوء الأحمر سوى أمر الله ونهیه، لما خضع الناس لهذا القانون بکل بساطة. أما الآن فهم یعلمون أن اجتیاز الضوء الأحمر یخلّ بنظم المرور ویسلب إمکان التجوّل فی الطرق، فیراعون قوانین المرور بسهولة.
من الفوائد الأخرى التی تحصل بالرؤیة العقلانیة إلى المسائل الدینیة، هی أن الإنسان بعد ذلک لا یمنّ على الله. إذ لا منّة بعد إن شعر الإنسان أن الالتزام بالدین لصالحه؛ «إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِکمُْ وَ إِنْ أَسَأْتمُْ فَلَهَا».[1] إن أدرک الإنسان هذه الحقیقة جیدا وهی أن کل ما قام به من حسنات وصالحات، فإنه قد عمله لنفسه، وکل ما ارتکب سیئة فإنه قد أضرّ بنفسه، عند ذلک سوف لا یشعر بأنه یطلب الله شیئا ولا یتورط بالعجب والغرور.
وحری بالذکر هنا أنّ معرفة الجوانب العقلانیة فی المسائل الدینیة تدفع الکثیر من المشاکل والمنغصات فی الحیاة الاجتماعیة وتمنح أفراد المجتمع حیاة أهنأ وأرغد. فعلى سبیل المثال إحدى الأزمات التی نعیشها الیوم فی بلداننا الإسلامیة هی قضیة الحجاب. فإن أردنا أن نعرّف الحجاب کأحد القیم الدینیة والأوامر الإلهیة یصعب الالتزام به على الکثیر. ولکن إذا طرحناه کضرورة عقلیة، عند ذلک لا یمکن رفضه بسهولة. عندما نبیّن العلاقة الموجودة بین الحجاب والاستقرار النفسی فی المجتمع والتطور العلمی فی الجامعات، لا داعی بعد لصرف الدین من أجل إشاعة الحجاب فی الأوساط الجامعیة.
- ۹۱/۱۱/۱۷