المفتاح الذهبی للحیاة المشترکة
المفتاح الذهبی للحیاة المشترکة
اصلاح الرؤیة
اهمیة تقویة وإصلاح بناء الاسرة
ما السبب فی اختیار بحث الأسرة؟ وما هی أهمیة أمثال هذه المواضیع؟ أما کان هناک بحث آخر مقدما على هذه البحوث فی هذا المقطع الزمنی؟ أولیس من الأفضل الخوض فی المسائل التی یبتلی بها الشباب أو فی مشاکل المجتمع الثقافیة الضخمة وغیرها من الأمور؟ یعتقد کثیر من الناس بأن الأحرى فی هذه الأیام تناول المسائل الثقافیة والعمل فی سبیل تحسین قضایا المجتمع الثقافیة. أمّا تجربتی التی حصلت علیها فی طوال سنیِّ نشاطاتی الثقافیة هی إن أکثر البرامج والخطط الثقافیة فی المجتمع لا تجدی نفعا.
فمثلا التخطیط لکی یصبح الانسان او المجتمع مصلّیا او لجعل التلامیذ أکثر أدبا أو أکثر درسا أو وضع البرامج للحدّ من الانحراف والإجرام فی المجتمع وغیرها من النشاطات لا تجدی نفعا وإن کانت جیدة، إذ أن العمل الأصلی والأصیل هو تقویة وإصلاح بناء الأسرة.
قبل فترة کنت فی جلسة مع عدّة من مدراء الإذاعة والتلفزیون، وکان البحث یدور عن ماهیة المخاطب الأصلی للاذاعة والتلفزیون. فکانوا یعتقدون بأن المخاطب الأصلی هو الفرد والمجتمع. فقلت لهم: هذا تصور خاطئ وأبعدوه عن أذهانکم. فمخاطبکم هو الأسرة فحسب، لا الفرد ولا المجتمع. لا الفرد الذی تشاهدونه بمفرده ولا المجتمع متکون من أفراد مجتمعین. فالمجتمع یعنی الأسر التی تعیش فیه. إذ الوحدة الاصیلة للمجتمع هی الأسرة. وهویة کل شخص تتشکل من أسرته. على هذا یمکن اعتبار وضع البرامج والتخطیط لتحسین وتقویة بناء الأسرة، أهم عمل لرفع مستوى المجتمع ثقافیا.
لمشاهدة الموضوع کاملا أنقر علی
فمن الممکن إثبات هذا المدعى فی محله وهو: أن العمل فی سبیل توسعة الدین وردع الاستکبار العالمی و الوقوف أمام الغزو الثقافی وعلى رأس کل هذه الأمور، تحقق ظهور الإمام الحجة (عج) لا یتمّ إلا بإصلاح الأسر فی المجتمع أولا. فما لم یکن للمتدینین عوائل جیدة ستتفشى حالة التظاهر بالتدیّن، وما لم تکن العوائل الشیعیة بحیاتها البسیطة هی القدوة للباقین، سوف لا تتحقق الارضیة لفرج الإمام الحجة (عج).
الملاحظة المهمة الأخرى هی إن أهم آلیة صهیونیة للسیطرة على المجتمعات الإسلامیة وتحطیم قدرة الإسلام، هی القضاء على بنیان الأسرة المرصوص. بحثنا فی الأسرة لیس بحثا دفاعیا. فنحن نعدّ هذا العمل الصهیونی ناجم عن مطالعات دقیقة وبسبب إدراکهم لقوة الأسر الشیعیة. هذه القوة التی لربّما لم ندرک نحن أیضا عمقها الواقعی لحدّ الآن. إن تکلیفنا الیوم تجاه إمام العصر والزمان (عج) هو تقویة الأسرة والاستعانة بهذه القوة لنشر تعالیم الإسلام إلى کل العالم. حتى لا یطول لیل الإنتظار من دون أن یصبح صباحه.
لابد للأسرة أن تکون راقیة
إن أول قدم لمعرفة الأخلاق والحقوق المتبادلة بین الزوج والزوجة فی رحاب الأسرة هو تشخیص الهدف من هذه المعرفة. فما سبب أهمیة الوصول إلى هذه الإحاطة؟ فهل نطمح فی أسرة بعیدة عن المشاکل و المتاعب وبعیدة عن الظلم أیضا؟ أو بالتعبیر المعاصر هل نرید أسرة موفّقة؟ أم إننا نرید أکثر من هذا، نرید أسرة متعالیة وسامیة. فمن الطبیعی أن یفکر الجمیع بأهمیة القدرة على تحصیل أسرة موفّقة، بید أن تصوّر الناس عن شاخص الأسرة الموفقة هو: الأسرة الخالیة من الخصام والنزاع ومن الظلم أیضا والأسرة التی یمکن للزوجین فی ظلّها أن یتحمّل کل واحد الآخر ویحصلا على لذة العیش فیها ویمکنهما أداء أعمالهما و واجباتهما الأخرى فیها بهدوء وسکینة. ولکن هذا التعریف عن الأسرة الناجحة، ناظر إلى الحدّ الأدنى من معالم الأسرة الموفقة. وإلا فنحن نسعى وراء تحقق أسرة راقیة. ولیس البحث فی الألفاظ. فشاخص الأسرة الراقیة یختلف عن شاخص الأسرة الموفقة. فلابد من إصلاح نظرة المجتمع عن الأسرة.
اللذة العاطفیة فی العوائل الراقیة أتم وأکثر
کان من اللازم هنا ذکر بعض مقومات العائلة الراقیة وشواخصها لیُعلم بأن الهدف من الحدیث عن أخلاق وحقوق الأسرة هو الوصول إلى مثل هذا النموذج من العوائل. إن اللّذة والعاطفة المفعمة التی من طبیعتها أن تصل فی بدایة العلاقة بین الزوجین إلى الغلیان، تتضاعف وتبلغ ذروتها وکمالها فی الأسر الراقیة لا أنها لا تبرد و لاتنطفئ فحسب. فی حین أن أکثر الناس یراها علاقة عاطفیة مقتصرة على الأیام الأولى من التعارف وتبرد بعد ذلک. فأغلب الناس یتصورون بأن الزوجین وبعد مدة من التعارف وتشکیل الحیاة الزوجیة فیما بینهم، تتحول علاقتهم إلى علاقة روتینیة شیئا فشیئا ولا یبقى منها بعد حین إلا أن یضطرّ أحدهما إلى تحمل الأخر، أما المشاعر والعواطف الأولیة، فلا یبقى لها ذکر. أما العلاقة فی الأسر السامیة التی نحن بصدد إیجادها یمکن أن تولد أرقى وأسمى أنواع العواطف الجیاشة.
لقد جاء فی السُنّة إن العلاقة بین الزوجین للمؤمنین کشراب مسکر. فالحیاة لابد أن تکون على قدر واسع من اللذة والمحبة، لا أننا لابد أن لا نشعر بنقص فی المحبة من الطرف الآخر فحسب، بل لابد من أن تکون أجواء الأسرة مفعمة بالعاطفة کی لا یشعر أولادنا بالنقص العاطفی، بل لا یشعر أحد من الأسرة بالحاجة إلى لفت انظار الآخرین تجاهه، وإلا فسیصاب أولادنا بصدمات لا یمکن جبرانها.
تترک العلاقة والمحبة بین الزوجین آثارها على العالم بشکل ملفت. فقد یؤثر کلّ من الزوجین على طول عمر الزوج الآخر وعلى رزقه فیما لو أرادا ذلک. إن لأهل المعرفة کلام طویل فی هذا المضمار، فقد یؤجّل عمر الزوج فی هذه الأسر بسبب عدم قبول زوجته بوفاته. ینقل عن أحد العرفاء فی طهران وقد کان ینازع الموت فی المستشفى، أنه عاد إلیه الوعی فقال لأولاده إرجعوا بی إلى البیت. وعندما سألوه عن ذلک قال لهم: لم ترضَ أمّکم برحیلی، وقیل لی إذا لم تسمح زوجتک لا یمکنک الرحیل إلى ذلک العالم. أما عن آثار هذه العلاقة على الرزق، فینقل عن أحد العرفاء أن رزق الرجل متعلق بقلب زوجته، فإذا کانت طیبة القلب یأتیه رزقه، ولو کانت سیئة الخلق والعمل، تُغلق أبواب الرزق بوجهه... فیالها من آثار خفیة على العالم. هذه العلاقة مؤثرة حتى على تحدید شخصیة أولادنا أیضا وسأشیر إلى بعض هذه الآثار فی بعض المناسبات.
إذن، لو استطعنا أن نوصل بهذه العلاقة إلى أعلى نقطة ممکنة، سیترتب علیها آثار خفیة لا تحصى. إنها تؤثر على حیاة کلّ من الزوجین بل وعلى الأولاد أیضا والمتعلقین بل حتى على کل الوجود.
نحن لا نرید الحدیث عن الأخلاق والحقوق فی الأسرة بالمقدار الذی نقف به أمام الطلاق، أو لکی لاینجرّ الأمر إلى المخاصمة والشجار بینهما، لا أبدا، فنحنُ لم نُرِد هذا الأمر على الإطلاق! هدفنا من هذا البحث هو الوصول إلى أکثر قدر ممکن من البرکات التی یمکن أن یشتمل علیها تشکیل الأسرة.
العائلة هی أرضیة التکامل
لابد من تعریف الأسرة أولا لکی نحصل على رؤیة کاملة لأخلاق وحقوق الأسرة؛ ولابد من تعریف کامل للحیاة المشترکة بین الشاب والفتاة اللذین یتحولان شیئا فشیئا إلى الأب والأم.
فما هو تعریف الأسرة التی تتکون نواتها المرکزیة من زوجین شابّین؟ وماذا نفهم منها؟ لابد من السعی الدائم للنظر إلى الأبعاد المختلفة لهذه الظاهرة لنصل إلى التعریف الدقیق لها.
بظنی ان تعریف الحیاة المشترکة بین زوجین یعیشان معا، ویرید کلّ منهما أن یوصل صاحبه إلى الکمال هو:
إن الأسرة: هی أرضیة للرشد و التکامل. أما کیفیة الوصول إلى هذا المستوى، فهذا ما لا یرتبط بنا کثیرا. فنحن فی مقام الاختیار یتحتم علینا الاهتمام کثیرا، أما على من ستقع قسمتنا وبأی طریق نصل إلى التکامل وماذا سیؤول إلیه الامر أخیرا و...؟ هذه من الأمور التی لا ترتبط بنا کثیرا.
فقد یصل الزوج إلى التکامل بسوء خلق زوجته. فیجب ان نرفع بمستوى نظرنا فی هذه المسألة عن نظرة العوام، وهذا ما سنتطرق إلیه فی البحوث اللاحقة. کما لابد من الإضافة إلى أن السیر للوصول إلى نقطة التعادل والتوافق وکذلک السیر للوصول إلى نقطة بدایة التعالی، قد یدوم سنین طویلة. فلیست هی مقتصرة على لذة الفترة الأولى من الزواج، فقد تطول مدة الوصول إلى هذه النقطة عشر سنوات.
- ۹۱/۱۱/۱۷